فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}
هذا المقطع في السياق استطراد في إزالة المعوقات التي كانت قائمة في طريق النفرة إلى جهاد الروم وحلفائهم من نصارى العرب في شمال الجزيرة.. ذلك أن الاستنفار لهذه الغزوة- تبوك- كان في رجب من الأشهر الحرم. ولكن كانت هناك ملابسة واقعة. وهي أن رجب في هذا العام لم يكن في موعده الحقيقي! وذلك بسبب {النسيء} الذي ورد ذكره في الآية الثانية- كما سنبين- فقد ورد أن ذا الحجة في هذا العام لم يكن في موعده كذلك، إنما كان في ذي القعدة! فكأن رجب كان في جمادى الآخرة.. وسر هذا الاضطراب كله هو اضطراب الجاهلية في تقاليدها؛ وعدم التزامها بالحرمات إلا شكلًا؛ والتأويلات والفتاوى التي تصدر عن البشر، ما دام أن أمر التحليل والتحريم يوكل في الجاهلية إلى البشر!
وبيان هذه القضية: أن الله حرم الأشهر الحرم الأربعة وهي الثلاثة المتوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والشهر الرابع المفرد: رجب.. والواضح أن هذا التحريم كان مع فرض الحج في أشهره المعلومات منذ إبراهيم وإسماعيل.. وعلى كثرة ما حرف العرب في دين إبراهيم، وعلى شدة ما انحرفوا عنه في جاهليتهم قبل الإسلام، فإنهم بقوا يعظمون الأشهر الحرم هذه؛ لارتباطها بموسم الحج؛ الذي كانت تقوم عليه حياة الحجازيين، وبخاصة سكان مكة. كيما يكون هناك السلام الشامل في الجزيرة الذي يسمح بالموسم، والانتقال إليه، والتجارة فيه!
ثم كانت- بعد ذلك- تعرض حاجات لبعض القبائل العربية تتعارض مع تحريم هذه الأشهر.. وهنا تلعب الأهواء؛ ويقوم من يفتي باستحلال أحد الأشهر الحرم عن طريق تأخيره في عام وتقديمه في عام آخر، فتكون عدة الأشهر المحرمة أربعة، ولكن أعيان هذه الأشهر تتبدل {ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله}. فلما كان هذا العام التاسع كان رجب الحقيقي غير رجب، وكان ذو الحجة الحقيقي غير ذي الحجة! كان رجب هو جمادى الآخرة، وكان ذو الحجة هو ذا القعدة! وكان النفير في جمادى الآخرة فعلًا وواقعًا، ولكنه كان في رجب اسمًا بسبب هذا النسيء! فجاءت هذه النصوص تبطل النسيء؛ وتبين مخالفته ابتداء لدين الله، الذي يجعل التحليل والتحريم (والتشريع كله) حقًا خالصًا لله؛ وتجعل مزاولته من البشر- بغير ما أذن الله- كفرًا.. بل زيادة في الكفر.. ومن ثم تزيل العقبة التي تحيك في بعض النفوس من استحلال رجب. وفي الوقت ذاته تقرر أصلًا من أصول العقيدة الأساسية؛ وهو قصر حق التشريع في الحل والحرمة على الله وحده. وتربط هذه الحقيقة بالحق الأصيل في بناء الكون كله، يوم خلق الله السماوات والأرض. فتشريع الله للناس إنما هو فرع عن تشريعه للكون كله بما فيه هؤلاء الناس.
والحيدة عنه مخالفة لأصل تكوين هذا الكون وبنائه؛ فهو زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا..
وحقيقة أخرى تقررها هذه النصوص، تتعلق بما سبق تقريره في المقطع السابق مباشرة، من اعتبار أهل الكتاب مشركين، وضمهم في العداوة والجهاد إلى المشركين، والأمر بقتالهم كافة.. المشركين وأهل الكتاب.. كما أنهم يقاتلون المسلمين كافة.. الأمر الذي يقرره الواقع التاريخي كله؛ كما تقرره من قبل كلمات الله سبحانه وهي تعبر عن وحدة الهدف تمامًا بين المشركين وأهل الكتاب تجاه الإسلام والمسلمين، وعن وحدة الصف التي تجمعهم كذلك عند ما تكون المعركة مع الإسلام والمسلمين، مهما يكن بينهم هم من عداوات قبل ذلك وثارات واختلافات في تفصيلات العقيدة كذلك، لا تقدم شيئًا ولا تؤخر في تجمعهم جميعًا في وجه الانطلاق الإسلامي؛ وفي عملهم متجمعين لسحق الوجود الإسلامي.
وهذه الحقيقة الأخيرة الخاصة بأن أهل الكتاب مشركون كالمشركين، وأن المشركين هؤلاء وهؤلاء يقاتلون المسلمين كافة فوجب على المسلمين أن يقاتلوهم كافة.. بالإضافة إلى الحقيقة الأولى: وهي أن النسيء زيادة في الكفر، لأنه مزاولة للتشريع بغير ما أنزل الله، فهو كفر يضاف إلى الكفر الاعتقادي ويزيد فيه.. هاتان الحقيقتان هما المناسبة التي تربط هاتين الآيتين بما قبلهما وما بعدهما في السياق؛ الذي يعالج المعوقات دون النفير العام، والانطلاق الإسلامي تجاه المشركين وأهل الكتاب..
{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم}.
إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن، وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره الله عليها. وإلى أصل الخلقة. خلقة السماوات والأرض. ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة، مقسمة إلى اثني عشر شهرًا. يستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر؛ فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة. وأن ذلك في كتاب الله- أي في ناموسه الذي أقام عليه نظام هذا الكون. فهي ثابتة على نظامها، لا تتخلف ولا تتعرض للنقص والزيادة. لأنها تتم وفق قانون ثابت، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده الله يوم خلق السماوات والأرض:
هذه الإشارة إلى ثبات الناموس يقدم بها السياق لتحريم الأشهر الحرم وتحديدها، ليقول: إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس الله كثباتها، لا يجوز تحريفه بالهوى، ولا يجوز تحريكه تقديمًا وتأخيرًا، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت، وفق ناموس لا يتخلف: {ذلك الدين القيم}.
فهذا الدين مطابق للناموس الأصيل، الذي تقوم به السماوات والأرض، منذ أن خلق الله السماوات والأرض.
وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدولات العجيبة.. يتبع بعضها بعضًا، ويمهد بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضًا.
ويشتمل على حقائق كونية يحاول العلم الحديث جاهدًا أن يصل إليها بطريقته ومحاولاته وتجاربه. ويربط بين نواميس الفطرة في خلق الكون وأصول هذا الدين وفرائضه، ليقر في الضمائر والأفكار عمق جذوره، وثبات أسسه، وقدم أصوله.. كل أولئك في إحدى وعشرين كلمة تبدو في ظاهرها عادية بسيطة قريبة مألوفة.
{ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم}.
لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السماوات والأرض. ذلك الناموس هو أن الله هو المشرع للناس كما أنه هو المشرع للكون.. لا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها الله لتكون فترة أمان وواحة سلام؛ فتخالفوا عن إرادة الله. وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب الله في الآخرة، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض، حين تستحيل كلها جحيمًا حربية، لا هدنة فيها ولا سلام.
{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.
ذلك في غير الأشهر الحرم، ما لم يبدأ المشركون بالقتال فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر، لأن الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة، المنوط بها حفظ الحرمات، ووقف القوة الشريرة المعتدية؛ ويشيع الفساد في الأرض؛ والفوضى في النواميس. فرد الاعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ الأشهر الحرم، فلا يعتدى عليها ولا تهان.
{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.
قاتلوهم جميعًا بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة، فهم يقاتلونكم جميعًا لا يستثنون منكم أحدًا، ولا يبقون منكم على جماعة. والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد. وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال. معركة بين معسكرين متميزين لا يمكن أن يقوم بينهما سلام دائم، ولا أن يتم بينهما اتفاق كامل لأن الخلاف بينهما ليس عرضيًا ولا جزئيًا. ليس خلافًا على مصالح يمكن التوفيق بينهما، ولا على حدود يمكن أن يعاد تخطيطها. وإن الأمة المسلمة لتخدع عن حقيقة المعركة بينها وبين المشركين- وثنيين وأهل كتاب- إذا هي فهمت أو أفهمت أنها معركة اقتصادية أو معركة قومية، أو معركة وطنية، أو معركة استراتيجية.. كلا. إنها قبل كل شيء معركة العقيدة. والمنهج الذي ينبثق من هذه العقيدة.. أي الدين.. وهذه لا تجدي فيها أنصاف الحلول. ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات. ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح الجهاد الشامل والكفاح الكامل. سنة الله التي لا تتخلف، وناموسه الذي تقوم عليه السماوات والأرض، وتقوم عليه العقائد والأديان، وتقوم عليه الضمائر والقلوب. في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض.
{واعلموا أن الله مع المتقين}.
فالنصر للمتقين الذين يتقون أن ينتهكوا حرمات الله، وأن يحلوا ما حرم الله، وأن يحرفوا نواميس الله. فلا يقعد المسلمون عن جهاد المشركين كافة، ولا يتخوفوا من الجهاد الشامل. فهو جهاد في سبيل الله يقفون فيه عند حدوده وآدابه؛ ويتوجهون به إلى الله يراقبونه في السر والعلانية.
فلهم النصر، لأن الله معهم، ومن كان الله معه فهو المنصور بلا جدال.
{إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين}.
قال مجاهد- رضي الله عنه-: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: أيها الناس. إني لا أعاب ولا أخاب، ولا مرد لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} قال: يعني الأربعة. فيحلوا ما حرم الله تأخير هذا الشهر الحرام.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس، وكان في الجاهلية وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده؛ فلما كان هو قال: اخرجوا بنا.
قالوا له: هذا المحرم.
قال: ننسئه العام. هما العام صفران. فإذا كان العام القابل قضينا.. جعلناهما محرمين..
قال ففعل ذلك. فلما كان عام قابل لا قال تغزوا في صفر. حرموه مع المحرم. هما محرمان..
فهذان قولان في الآية، وصورتان من صور النسيء. في الصورة الأولى يحرم صفر بدل المحرم فالشهور المحرمة أربعة في العدد، ولكنها ليست هي التي نص عليها الله، بسبب إحلال شهر المحرم. وفي الصورة الثانية يحرم في عام ثلاثة أشهر وفي عام آخر خمسة أشهر فالمجموع ثمانية في عامين بمتوسط أربعة في العام ولكن حرمة المحرم ضاعت في أحدهما، وحل صفر ضاع في ثانيهما!
وهذه كتلك في إحلال ما حرم الله؛ ولمخالفة عن شرع الله..
{زيادة في الكفر}.
ذلك أنه- كما أسلفنا- كفر مزاولة التشريع إلى جانب كفر الاعتقاد.
{يضل به الذين كفروا}.
ويخدعون بما فيه من تلاعب وتحريف وتأويل..
{زين لهم سوء أعمالهم}.
فإذا هم يرون السوء حسنًا، ويرون قبح الانحراف جمالًا، ولا يدركون ما هم فيه من ضلال ولجاج في الكفر بهذه الأعمال.
{والله لا يهدي القوم الكافرين}.
الذين ستروا قلوبهم عن الهدى وستروا دلائل الهدى عن قلوبهم. فاستحقوا بذلك أن يتركهم الله لما هم فيه من ظلام وضلال. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}
أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت العرب يحلون عامًا شهرًا وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكر الله تعالى في كتابه، فلما كان عام الحج الأكبر ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال: إن النسيء من الشيطان {زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا} فكانوا يحرمون المحرم عامًا ويحرمون صفرًا عامًا، ويستحلون المحرم وهو النسيء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي: ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب، ألا إن صفر الأول حلال، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه فقالوا: أحل لنا هذا الشهر- يعنون صفر- وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عامًا ويحرمه عليهم في العام الآخر، ويحرم المحرم في قابل {ليواطئوا عدة ما حرم الله} يقول: ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفرًا عامًا حلالًا وعامًا حرامًا.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت النساة حيًا من بني مالك من كنانة من بني تميم، فكان أخراهم رجلًا يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم، وكان ملكًا، كان يحل عامًا ويحرمه عامًا، فإذا حرمه كانت ثلاثة أشهر متوالية، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم عليه السلام، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم ليواطئ العدة يقول: قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهرًا إلا وقد حرمت مكانه شهرًا، فكانت على ذلك العرب من يدين للقلمس بملكه حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأكمل الحرم ثلاثة أشهر متوالية ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه في قوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: نزلت في رجل من بني كنانة يقال له نسيّ، كان يجعل المحرم صفرًا ليستحل فيه المغانم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه قال: كان الناسي رجلًا من كنانة ذا رأي يأخذون من رأيه رأسًا فيهم، فكان عامًا يجعل المحرم صفرًا فيغيرون فيه ويستحلونه فيصيبون فيغنمون، وكان عامًا يحرمه.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} الآية. قال: عمد أناس من أهل الضلالة فزادوا صفر في أشهر الحرم، وكان يقوم قائلهم في الموسم فيقول: إن آلهتكم قد حرمت صفر فيحرمونه ذلك العام، وكان يقال لهما الصفران، وكان أول من نسأ النسيء بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثة، أبو ثمامة صفوان بن أمية، أحد بني تميم بن الحرث، ثم أحد بني كنانة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمون الأشهر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة ثم يحجون فيه ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر، صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخر، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ويسمون ذا القعدة شوال، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا مثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عامًا حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخرة من العام في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فيها فوافق ذو الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض».
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كان رجل من بني كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنى أبا امامة ينسيء الشهور، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أراد أن يغير على أحد قام يومًا بمنى فخطب فقال: إني قد أحللت المحرم وحرمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرم، فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا الأسنَّة ثم يقوم في قابل فيقول: إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فيواطئوا أربعة أشهر فيحلوا المحرم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا} قال: هو صفر، كانت هوازن وغطفان يحلونه سنة ويحرمونه سنة. اهـ.